الحلبي

160

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أقدامهما : إن هذه الأقدام بعضها من بعض ، فسرّ بذلك صلى اللّه عليه وسلم لأن في ذلك ردا على من كان يطعن في نسب أسامة بن زيد كما تقدم . وذكر بعضهم أن نبينا صلى اللّه عليه وسلم أثر قدمه في الحجر أيضا ، فقد أثر في صخرة بيت المقدس ليلة الإسراء ، وإن ذلك الأثر موجود إلى الآن . وذكر الجلال السيوطي أنه لم يقف لذلك : أي لتأثير قدمه صلى اللّه عليه وسلم في الحجر على أصل ولا سند . قال : ولا رأيت من خرجه في شيء من كتب الحديث . وقال مثل ذلك فيما اشتهر على الألسنة من أن مرفقه الشريف لما ألصقه بالحائط غاص في الحجر وأثر فيه وبه يسمى ذلك المحل بمكة بزقاق المرفق . ومن العجب أن الجلال السيوطي مع قوله المذكور قال في الخصائص الصغرى : ولا وطئ على صخر إلا وأثر فيه هذا كلامه ، ولعله ظهر له صحة ذلك بعد إنكاره . ودعوى أنه صلى اللّه عليه وسلم ما وطئ على صخر إلا وأثر فيه قد يتوقف فيه . ثم رأيت الإمام السبكي ذكر تأثير قدمه الشريف في الأحجار حيث قال في تائيته : وأثر في الأحجار مشيك ثم لم * يؤثر برمل أو ببطحاء رطبة قال شارحها : ولعل عدم تأثير قدمه الشريف في الرمل كان ليلة ذهابه صلى اللّه عليه وسلم إلى الغار : أي فليس كان هذا شأنه في كل رمل مشى عليه « وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا رفع قدمه عن الرمل يقول لأبي بكر ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينمّ » أراد به إخفاء أثر سيره ليتحير المشركون في طلبه . وفيه أن هذا التعليل مقتض لتأثير قدمه الشريف في الرمل لا لعدم تأثيره في ذلك . ويؤيد ذلك أنه سيأتي أنهم قصوا أثره إلى أن انقطع الأثر عند الغار : أي وقال لهم القاص هذا أثر قدم ابن أبي قحافة ، وأما القدم الآخر فلا أعرفه إلا أنه يشبه القدم الذي في المقام يعني مقام إبراهيم ، فقالت قريش : ما وراء هذا شيء أي محل كما سيأتي . وفيه أن هذا أي تميز قدمه الشريف من قدم سيدنا أبي بكر ربما ينافيه قوله لأبي بكر : « ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينم » . وقد يقال : لا منافاة لأنه يجوز أن يكون قدم أبي بكر لم يكن مساويا لقدمه صلى اللّه عليه وسلم ولا يضر في ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإن الرمل لا ينم » لجواز أن يكون المراد لا يظهر فيه قدمي ظهور أبينا فصح قول القائل هذا أثر قدم ابن أبي قحافة ، وأما القدم الآخر إلى آخره ، ولم يعترض هذا الشارح على تأثير قدمه صلى اللّه عليه وسلم في الحجارة بل أبدى لذلك حكما لا بأس بها فلتراجع . وقوله في الأحجار يدل على أنه تكرر تأثير قدمه الشريف في الأحجار ولكن لم